محمد الغزالي
93
فقه السيرة ( الغزالي )
العقل الجوّاب الباحث المستفسر أخذ يشيم أنوار الحق . والصدر المحرج المثقل بالتشاؤم والارتباك ، أخذ يحسّ برد اليقين ، وفسحة الأمل ، والنقلة الطارئة بعيدة المدى . . . إنّها النبوة . ألا ما أجلّ هذا الفضل المقبل ، وما أعظم ما يواجه محمدا صلى اللّه عليه وسلم فيه من شؤون وشجون . . ! ! . لذلك سرعان ما تراجعت إليه نفسه ، وكان موقف زوجه خديجة منه من أشرف المواقف التي تحمد لامرأة في الأوّلين والآخرين ، طمأنته حين قلق ، وأراحته حين جهد ، وذكرته بما فيه فضائل مؤكدة له : أنّ الأبرار أمثاله لا يخذلون أبدأ ، وأنّ اللّه إذا طبع رجلا على المكارم الجزلة والمناقب السمحة ؛ فلكيما يجعله أهل إعزازه وإحسانه ، وبهذا الرأي الراجح ، والقلب الصالح ؛ استحقت خديجة أن يحيّيها ربّ العالمين ، فيرسل إليها بالسّلام مع الروح الأمين « 1 » . . .
--> ( 1 ) يشير المؤلف إلى الحديث الصحيح ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : أتى جبريل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب . فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربّها ومنّي ، وبشّرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب . أخرجه البخاري : 7 / 109 ؛ ومسلم : 7 / 133 .